تنوع "المقومات السياحية" في سوريا
(بانياس الساحل نموذجاً)
(بانياس الساحل نموذجاً)
"السياحة هي نشاط السفر بهدف الترفيه ، وتوفير الخدمات المتعلقة لهذا النشاط. والسائح هو ذلك الشخص الذي يقوم بالانتقال لغرض السياحة لمسافة ثمانين كيلومترا على الأقل من منزله. وذلك حسب تعريف منظمة السياحة العالمية (التابعة لهيئة الأمم المتحدة) والسياحة هي توفير الخدمات للسياح والسائح هو الشخص الذي يسافر بعيدًا عن بلده، سواء داخل وطنه أو خارجه، ليوم واحد على الأقل، أو ليلة واحدة. وأسباب مثل هذا السفر عديدة منها الفراغ (الترويح، العطلات، العلاج، التعليم، الدين، الرياضة) والتجارة والشؤون العائلية. وعليه فإن الذين يقضون عطلاتهم في بلد آخر، ووفود المؤتمرات، ورجال الأعمال المسافرين كلهم في عداد السائحين". (1)
وللسياحة أنواع مختلفة: "السياحة الترفيهية, السياحة البيئية, السياحة الدينية, سياحة المؤتمرات, سياحة التسوق, السياحة الرياضية بأنواعها وسياحة المغامرات والإطلاع على الغرائب ومراقبة السكان وعاداتهم, وعندما يفكر الكثيرون في السياحة تنصرف أذهانهم عادة إلى السفر عبر الحدود إلى بلاد أخرى غريبة. ولكن معظم السياحة في الواقع محلية ـ أي ترتبط بسياح يسافرون إلى أماكن داخل أوطانهم ". (2)
"مقومات السياحة: تتكون صناعة السياحة من كل الأعمال التي توفر السلع والخدمات مباشرة لمختلف النشاطات الترويحية والتجارية الخاصة بالسائحين. وتشمل الصناعة الخطوط الجوية المحلية والعالمية، والخطوط البحرية والنهرية، والسكك الحديدية، والحافلات وسيارات الأجرة، والفنادق والشقق ووسائل الإقامة الأخرى، والمطاعم والأندية ومؤسسات الرعاية الأخرى، ومنظمي الرحلات الترفيهية، ووكالات السفر، وموفري التسهيلات الترفيهية (المسارح ودور السينما والمعارض وغيرها)، والحدائق القومية والآثار السياحية، ومصنعي وبائعي الهدايا التذكارية، ومراكز المعلومات السياحية، ومراكز المؤتمرات والاجتماعات. ويخدم العديد من هذه الأعمال غير السياح أيضاً". (3)
السياحة في سوريا:
تعتبر سوريا من أكثر دول العالم غنىً وتنوعاً بالمقومات السياحية الطبيعية من البحر والنهر و الجبل إلى الصحراء وما يتعلق بكل هذه المناطق من مناخات وبيئات متميزة وفريدة, ومن التراث الحضاري والديني والثقافي إلى الموقع الإستراتيجي والدور المحوري في المنطقة والذي يجعل منها قبلة للكثير من التيارات السياسية والثقافية وغيرها, إلا أن سوريا لا تزال تفتقر إلى الكثير من المقومات السياحية الخدمية الحديثة وفي مختلف المجالات لذلك لم تصل حتى اليوم إلى الدور الذي تستحقه على سلم السياحة العالمية بناء على ما لديها من مقومات طبيعية متميزة بتنوعها حتى على مستوى مناطق صغيرة من مساحة الارض السورية.
"أثبتت الكشوف الأثرية التي تحققت خلال العقود الأخيرة، أمرين هامين: الأول أن هذه المنطقة التي تسمى عند العرب بلاد الشام تعتبر من أقدم مناطق العالم حضارة، وأن هذه الحضارة مترابطة عضوياً على الامتداد الجغرافي ومتكاملة. والأمر الثاني أن هذه البلاد تحمل بعداً سياسياً دولياً واسعاً لا يقاس بحجمها، إذ أن موقعها بين قارات ثلاث مازال ذو أهمية إستراتيجية وتجارية عالمية، ولقد برزت هذه الأهمية تاريخياً منذ نشاط طريق الحرير الذي يبدأ من الصين مروراً بسواحلنا على البحر الأبيض المتوسط أو باتجاه جنوب سورية، عبر تدمر وحلب، وكانتا من المراكز الهامة في هذا الطريق. وكان الهلال الخصيب الذي يمتد رأسه الشرقي من الخليج العربي، وينتهي رأسه الغربي في سيناء، منطقة ازدهار اقتصادي وإشعاع حضاري عبر جميع العصور، يضاف إلى ذلك أهمية إشراف سورية على صدر البحر المتوسط الذي أفسح لها في العبور إلى جميع مرافئ البحر وإلى أنحاء أخرى من العالم، وأصبحت قادرة، من خلال تبادلاتها التجارية وتحركاتها العسكرية أن تصنع تاريخها وأن تشارك في صنع تاريخ هذا الجزء من العالم". (4)
"وتعتبر صناعة السياحة من أهم مصادر الدخل القومي السوري، إذ تجتذب قرابة مليوني سائح سنويًا من عرب وأجانب، مما يوفر للبلاد عوائد بلغت 1,325,000,000 دولار في عام 1995م، في حين بلغ مجموع ما ينفقه السوريون في الخارج 398 مليون دولار". (5)
السياحة في مدينة بانياس الساحلية:
"وهي مدينة ومركز منطقة ومرفأ على الساحل السوري. يرجح أن المدينة كنعانية الأصل، كانت تابعة لمملكة أرواد أرادوس تطورت وازدهرت في العصرين اليوناني والروماني باسم بالانيا ثم بُلنياس أي الحمامات ومنه اشتق اسمها الحالي أي بانياس. استقر فيها الصليبيون وعرفت في أيامهم باسم فاليني، حتى طردهم منها السلطان قلاوون عام 1285م ومن آثارها قلعة القوز. ويجاور المدينة من الجنوب برج الصبي وهو برج متقدم من قلعة المرقب، كما عثر فيها على أعمدة من الغرانيت، وطواحين مائية، ولقى نقدية من أزمنة مختلفة، رومانية وإسلامية وصليبية إلى جانب حمامات عامة. وتقع بانياس على خليج صغير على ساحل المتوسط، تبعد المدينة عن مدينة طرطوس 38كم شمالاً وعن مدينة اللاذقية 52كم جنوباً. بني الحي القديم فوق سفح تل يعرف حالياً بحي القلعة. توسعت بسرعة منذ عقد الستينات باتجاه الشمال والجنوب". (6) |

تعتبر مدينة بانياس الممتدة على سهول الساحل السوري بين سلسلة الجبال الساحلية وخلجان البحر المتوسط الأكثر هدوءاً ودفئاً في العالم من حيث الاستقرار المناخي الموسمي فيها والمعروف باعتداله وتوازنه معظم فصول السنة الأربعة, كما أنها غنية ومتنوعة بالمقومات السياحية الطبيعية من بيئة البحر والسهل والجبل إلى التراث الأثري والديني المتنوع كما ذكر سابقاً (6), حيث لا تتجاوز المسافة بين البحر وسلسلة الجبال عدة "كيلو أمتار" غنية بالتلال الصغيرة والمتطاولة أمام الشاطئ بإطلالات رائعة وكثيرة التنوع وأكثرها تنوعاً على ساحل المدينة التلة المغطاة بأشجار الصنوبر والسرو والتي يقبع على قمتها المعلم الأثري الشهير المسمى (برج الصبي) والتي تجمع بين التاريخ والحضارة مع الطبيعة الجبلية وطبيعة الساحل البحرية وما يعكسه ذلك من مشاهد تكاد تكون غاية في الروعة في بعض الجهات.

ظهرت في جبالها حضارة (أوزا) الفينيقية المهملة حتى الآن كما أن فيها قلعة المرقب الشهيرة والتي تعد من أهم القلاع وأكبرها في منطقة البحر المتوسط وكانت تتوزع على طرفي نهرها العريق الحمامات الترفيهية زمن الرومان داخل بساتينها الغنّاء, حتى أنه يقال أنها كانت مدينة الترفيه والاستجمام لضباط روما في زمن الحكم الروماني للمنطقة, ووجد فيها منذ سنوات مدرج روماني يحتفظ بالكثير من معالمه وتأخر الكشف عنه حتى اليوم كما " أسفرت أعمال التنقيب التي قامت بها دائرة اثار طرطوس في الجهة الشمالية الشرقية من موقع الكورنيش الشمالي في مدينة بانياس عن اكتشاف لوحة فيسفساء ارضية ملونة تعود للفترة الرومانية وتمتد على مساحة واسعة تزيد على 25مترا ضرب 15 مترا تخربت أجزاء منها أثناء أعمال تجريف الأرض لكن القسم الأكبر منها لايزال في مكانه" (7) وتعد مدينة بانياس الساحل من أفقر المدن بالمرافق والخدمات السياحية حيث يتوافر فيها عدد قليل جداً من المطاعم والمقاصف ومرافق تخديم السياح كما أنها تكاد تخلو من الفنادق على مختلف درجاتها باستثناء فندق وحيد قديم موجود في مركز المدينة وربما يعود ذلك إلى طبيعة سكان المدينة المنغلقة إلى حد كبير وتفضيلهم استضافة الزوار في الطوابق الأولى من بيوتهم والمعروفة بإسم "النزل" حيث لم يكن يخلو منزل من ذلك النزل قديماً وهو ما يعتبر من الأساسيات في فن البناء القديم لمنازل المدينة العريقة, بالإضافة إلى وجود ما يسمى "الخان" وهو مكان مخصص لاستقبال الزوار مع دوابهم وتجارتهم أحياناً, كما أن التلوث الذي يحيط بالمدينة من الشمال والجنوب حيث مصفاة النفط وشركة البترول من جهة والمحطة الحرارية القابعة في منطقة قريبة جداً من وسط المدينة يعتبر من الأمور التي تنفر الاستثمار سياحياً في المدينة في مجالات الفنادق وغيرها منذ عشرات السنين.
ما الذي يميز مدينة بانياس الساحل؟
- الموقع والمناخ:
تقع مدينة بانياس الساحلية على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط على تقاطع خطي طول وعرض 35 تقريباً, والذي يعتبر بمناخه الموسمي وتياراته الدافئة من أكثر بحار العالم توازناً ويشكل ظاهرة مناخية فريدة (كما في الصورة), حيث أنه أشبه بالبحيرة الضخمة متنوعة المصادر, ويعتبر المناخ على شواطئه سياحياً بامتياز وفترة الاستثمار فيه طويلة نسبياً مقارنة مع باقي مناطق السياحة في العالم.

وتقع جزيرة قبرص الشهيرة في المنطقة المقابلة تماماً لمدينة بانياس وغير بعيدة عنها مما يعني حاجزاً طبيعياً للتيارات المباشرة يقف في وجهها ويبطئ من تقلباتها مما يعني استقراراً مناخياً يكاد يكون مثالياً يصل ذروته في خليج المدينة الصغير, حيث تشهد المناطق المحيطة بالمدينة من كافة الاتجاهات بعض التقلبات المناخية المخربة بين فترة وأخرى بينما تعتبر أي ظواهر طبيعية مناخية قاسية مشهداً غير مألوف في مدينة بانياس عبر العصور.

"تمنح المياه الدافئة الهائلة الدفء للأراضي المحيطة بالبحر ومناخًا شبه مداري. وتحظى معظم أقطار منطقة البحر الأبيض المتوسط بصيف حار جاف وشتاء معتدل ممطر. وقد هيأت هذه الظروف ما أصبح يعرف بمناخ البحر الأبيض المتوسط، حتى لو ظهر في مناطق أخرى من العالم، " (
التنوع الطبيعي:
تبقى بانياس الساحل من مدن سوريا الأكثر تنوعاً ولقد أدى الموقع المتميز لها ووجودها في منطقة حزام سهلي ضيق بين سلسلة الجبال الساحلية والبحر المتوسط والذي يتوسع تدريجياً كلما اتجهنا شمالاً أو جنوباً, أدت إلى توفر عناصر التنوع البيئي في هذه المنطقة المليئة بالتلال البركانية التي تغطيها غابات الصنوبر والسرو والسنديان كما ينتشر الزيتون في جبالها بكثافة.

وبفضل ذلك التقارب بين البحر والجبل كانت هناك كثافة في أعداد الأنهار الغزيرة التي تنبع من الجبال القريبة لتغذي التربة البركانية والكلسية المشبعة بالخصوبة وتصب في البحر المتوسط مما حول المنطقة إلى جنة من البساتين والحمامات في أزمنة سابقة, وخلق مقومات سياحية تجمع بين البحر والسهل والجبل وما يتعلق بها من بيئات متنوعة.
اليوم لم تعد أنهار بانياس كما كانت وما تبقى منها تكاد مياهه تنقرض صيفاً وبعضها جف فعلاً لأسباب عديدة, إلا أنها لا تزال تحتفظ بغزارة مياهها الجوفية ونقاء وعذوبة هذه المياه, وتجد فيها الينابيع تخرج حتى من مياه البحر المالحة مكونة منطقة مياه عذبة في بحر المياه المالحة, ويستعيد نهر بانياس الشهير عافيته كل فترة من الزمن ليعيد الأمل للمدينة بالحياة من جديد.
- الإرث الحضاري والديني:
تتنوع المقومات السياحية في بانياس لتشتمل حتى على المقومات الحضارية (الأثرية والثقافية) بالإضافة إلى تراث ديني لا يستهان به, ففيها حضارة أوزا الفينيقية وفيها قلعة المرقب وبرج الصبي والمدرج الروماني (المكتشف حديثاً)

والكثير من الطواحين المائية من العصور القديمة اليونانية والرومانية وغيرها وتنتشر تحت المدينة ككل أقنية الصرف الصحي من العصر الفينيقي, كما أن فيها بعض أهم المعالم الدينية التاريخية ككنيسة سيدة الباصية وتقبع قلعة المرقب فوق بعض تلك المعالم الدينية واكتشف حديثاً في مناطق مختلفة من المدينة والقلعة مقابر ولوحات ورسومات ذات طابع ديني تعود لعصور موغلة في القدم.
- المجتمع والأهالي:
يتميز أهالي مدينة بانياس الساحلية بالاهتمام الكبير بضيوفهم حيث كان حسن استقبال الضيف أو الزائر أو الراغب في الإقامة بالمدينة أمر يميز أهل المدينة منذ القدم, وكانت لديهم في الطوابق الأولى من أي منزل بانياسي عريق ما يسمى "النزل" وهو مكان مخصص لإقامة الضيوف والاحتفاء بهم, يضاف إلى ذلك طبيعة أهل المدينة المسالمة والودودة وطيبتهم ودروشتهم أحياناً.
هناك مثل سائد في بانياس "هالبلد للغريب" ومن المعروف أن كثيراً من العائلات المهاجرة والتي استقر بها المقام في بانياس وجدت فرصتها في المدينة وأصبحت من أهاليها, نتيجة الحب والدعم الكبير الذي يتلقف به سكان المدينة زوارها ومحبيها.
وأخيراً كان لا بد لي من الحديث بصراحة عن الكثير من الأمور التي تقف عائقاً أمام السياحة في مدينتي الصغيرة بانياس التي تمتلك حتى أكثر من تلك المقومات السياحية وأعتبرها أفضل مكاناً للعيش وستكون كذلك في المستقبل القريب إن شاء الله بجهودنا جميعاً, ففي الشمال توجد المصفاة الشهيرة وشركة النفط ومركز تجمع الزيوت وفي الجنوب المحطة الحرارية, كما تغطي البيوت البلاستيكية المضرة بالبيئة مساحة واسعة جداً من المدينة ومحيطها, إلا أنها رغم كل ذلك تتمتع بجمال وتميز طبيعي وتنوع قل مثيله في العالم .. وأخيرا "أهلاً بكم في بانياس الساحل"
المراجع والمصادر:
· (1-2-3-5-
· (4-6) موقع وزارة السياحة السورية (http://www.syriatourism.org)
· (7) موقع المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية (http://www.dgam.gov.sy)
إعدادي وتصويري







